محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياء من قبوركم ، يقولون : ذلك غير كائن . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : هَيْهاتَ هَيْهاتَ يقول : بعيد بعيد . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ قال : يعني البعث . والعرب تدخل اللام مع " هيهات " في الاسم الذي يصحبها ، وتنزعها منه ، تقول : هيهات لك هيهات ، وهيهات ما تبتغي هيهات ؛ وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات ، كأنه قال : بعيد ما ينبغي لك ؛ كما قال جرير : فهيهات هيهات العقيق ومن به * وهيهات خل بالعقيق نواصله كأنه قال : العقيق وأهله . وإنما دخلت اللام مع هيهات في الاسم لأنهم قالوا : " هيهات " أداة غير مأخوذة من فعل ، فأدخلوا معها في الاسم اللام . كما أدخلوها مع هلم لك . إذ لم تكن مأخوذة من فعل . فإذا قالوا أقبل . لم يقولوا لك . لاحتماله الفعل ضمير الاسم . واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات ، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء . لأنها منصوبة ، وكان الفراء يختار الوقوف عليها بالتاء . ويقول : من العرب من يخفض التاء ، فدل على أنها ليست بهاء التأنيث . فصارت بمنزلة دراك ونظار ؛ وأما نصب التاء فيهما . فلأنهما أداتان . فصارتا بمنزلة خمسة عشر . وكان الفراء يقول : إن قيل إن كل واحدة مستغنية بنفسها يجوز الوقوف عليها . وإن نصبها كنصب قوله : ثمت جلست ؛ وبمنزلة قوله الشاعر ماوي يا ربتما غارة * شعواء كاللذعة بالميسم قال : فنصب " هيهات " بمنزلة هذه الهاء التي في " ربت " لأنها دخلت على حرف ، على " رب " وعلى " ثم " ، وكانا أداتين ، قلم تغيرها عن أداتهما فنصبا . واختلف القراء في قراءة ذلك . فقرأته قراء الأمصار غير أبي جعفر : هَيْهاتَ هَيْهاتَ بفتح التاء فيهما . وقرأ ذلك أبو جعفر : " هيهات هيهات " بكسر التاء فيهما . والفتح فيهما هو القراءة عندنا . لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يقول : ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها نَمُوتُ وَنَحْيا يقول : تموت الأحياء منا فلا تحيا ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء . وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ يقول : قالوا : وما نحن بمبعوثين بعد الممات . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ قال : يقول ليس آخرة ولا بعث ، يكفرون بالبعث ، يقولون : إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا ، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء ، يقولون : إنما الناس كالزرع يحصد هذا وينبت هذا : يقولون : يموت هؤلاء ويأتي